رد الفعل العثماني
الحقيقة أن هناك الكثير من الأدلة التاريخية التي تؤكد استقلال الكويت عن التبعية للدولة العثمانية منذ نشأة الكويت في مطلع القرن السابع عشر ، أما بعد عقد معاهدة الحماية البريطانية فقد حاولت الدولة العثمانية مد سيادتها الفعلية إلى الكويت ، ولذلك اتخذت بعض الإجراءات عندما أدركت وجود اتصالات كويتية بريطانية ، فأعادت تعيين والي البصرة السابق حمدي باشا عدو الشيخ مبارك الصباح ، وقد أعد بعض الخطط ضد الكويت لتحقيق أهداف الدولة العثمانية التوسعية في المنطقة.
ومن الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الدولة العثمانية تعيين موظف لميناء الكويت ، وقد رفض الشيخ مبارك الصباح استقباله ، وفرض رسوما جمركية قدرها 5% على كل الواردات بما فيها الواردات العثمانية من ولاية البصرة ، كما قامت تلك السلطات بتأليب ابن الرشيد ضد الشيخ مبارك والكويت مستغلة تطلعاته التوسعية ، وقد دارت بينهما معركة "الصريف" في مارس 1901م ، وفي أعقابها أرسلت السلطات العثمانية - إلى الكويت سفينة محملة بقوات عسكرية - لتهديد الشيخ مبارك ، وسرعان ما تدخلت بريطانيا بموجب معاهدة الحماية حين أمر نائب الملك في الهند اللورد كيرزون السلطات البحرية البريطانية بالعمل على حماية الكويت ، فوصل طراد بريطاني إلى الشاطئ الكويتي وأنذر السفينة العثمانية التي انسحبت فورا.
وقد تعددت وتنوعت المحاولات العثمانية لمد سيادتها الفعلية إلى الكويت دون جدوى ، فقد أصر الشيخ مبارك على عدم الاستجابة لتلك المحاولات حتى بعد أن منحه السلطان العثماني رتبة الميراميران في مايو 1900م.
اضطرت الحكومة العثمانية أمام فشل محاولاتها إلى التفاهم مع الحكومة البريطانية في سبتمبر 1901م على المحافظة على الوضع القائم في الكويت ، لكنها في يناير عام 1902م اتخذت خطوة هامة أرادت منها تقليص نفوذ الشيخ مبارك الصباح ، وذلك باحتلال بعض المواقع شمال إمارة الكويت " أم قصر - سفوان - جزيرة بوبيان " وهي مواقع هامة لخط سكة حديد برلين بغداد ، الذي كانت الحكومة الألمانية تسعى لإقامته وجعل الكويت نهاية هذا الخط كما أشرنا.
لقد أثار هذا الإجراء غضب الشيخ مبارك واحتجاجه حيث قدم الأدلة الكثيرة التي تؤكد تبعية هذه الأراضي لبلاده ، والحقيقة أن هذا الاحتلال العثماني يعد بداية لمشكلة الحدود الكويتية مع ولاية البصرة العثمانية.
أما فيما يتعلق بتطور العلاقة الكويتية البريطانية فقد كان أساسها معاهدة الحماية والاتفاقيات والارتباطات التي تلتها ، فقد تم تعيين الوكيل السياسي البريطاني في الكويت في يونيو 1904م ، وقد زاول عمله في أغسطس 1904م ومنها اتفاق 15/10/1905م الذي كان هدفه استئجار شاطئ ميناء الشويخ ، لإيجاد مرسى لسفن الأسطول الحربي البريطاني.
وفي 29/7/1911م تعهد الشيخ مبارك بعدم السماح للأجانب بالغوص على الإسفنج أو اللؤلؤ في مياه الكويت إلا بموافقة الحكومة البريطانية ، وفي 27/10/1913م تعهد الشيخ مبارك الصباح بعدم منح ترخيص للتنقيب عن البترول إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة من الحكومة البريطانية ، وفي نوفمبر 1914م اعترفت بريطانيا بإمارة الكويت إمارة مستقلة تحت الحماية البريطانية ، وكما دفعت الظروف الشيخ مبارك الصباح في عام 1899م وما بعدها إلى الارتباط ببريطانيا ، نجد أن الظروف التي أحاطت بالكويت مــن بـعــده دفعتها إلى المحافظة على الارتباط بالحكومة البريطانية ، وفي الثلاثينيات ، ومع تطور العـلاقـات بيــن إمـــارة الكـويــت وجـيــرانهـا ( السعودية - العراق - إيران ) واحتمال وجود البترول في الإمارة اقترح بعض الموظفين الإنجليز أن تدعم بريطانيا سيطرتها على الكويت وذلك بعقد اتفاقية جديدة تحل محل الاتفاقيات المتعددة وتسد الفراغات فيها ، ومنذ عام 1934م تقريبا خرجت دائرة العلاقات الكويتية البريطانية عن نطاقها العربي أو التأثر به وصارت تتأثر بتيارات دولية أكبر وذلك بمناسبة دخول الشركات الأمريكية كمنافس في التنقيب عن بترول الكويت وإمارات الخليج العربي الأخرى.
هذا ، ولقد طرح العديد من المقترحات المتعلقة بمركز بريطانيا في الكويت والعلاقات الكويتية البريطانية إلا أن هذه المقترحات لم تجد طريقها إلى التنفيذ ، ولم تعقد معاهدة جديدة تسد ا لفراغات في الارتباطات السابقة.
أما على الصعيد الداخلي فقد شهدت الكويت بعض التطورات سواء تلك المرتبطة بنظام الحكم أو الإدارة المحلية ففي عام 1921م تم تشكيل مجلس الشورى بالتعيين ، وأنشئت المدرسة النظامية الأهلية الثانية والتي أطلق عليها اسم المدرسة الأحمدية نسبة إلى حاكم الكويت آنذاك الشيخ أحمد الجابر الصباح ، وكانت المدرسة النظامية الأهلية الأولى قد افتتحت في ديسمبر 1911م ، وأطلق عليها اسم المدرسة المباركية نسبة إلى حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح كما تم تأسيس البلدية في عام 1930م وانتخب أعضاء المجلس البلدي في 1932م حيث شهدت إمارة الكويت أول انتخابات في تاريخها.
ورغم صعوبة المعيشة وقسوتها في تلك الفترة حيث ارتبط اقتصاد الكويت كغيرها من إمارات وبلدان الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية ارتباطا وثيقا بالاقتصاد التقليدي المرتبط بالبحر ، فكان الغوص على اللؤلؤ وصيد السمك وصناعة السفن والشباك والأنشطة المرتبطة بالصحراء من رعي الأغنام وغيرها - أظهر المجتمع الكويتي تعاطفه مع قضايا الأمة العربية وفي مقدمتها فلسطين ، فقد شهدت الكويت في عام 1936م حملة تبرعات قام بها أبناء الكويت لصالح فلسطين.
وكان حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح آنذاك قد وقع في ديسمبر 1934م اتفاقية التنقيب عن النفط مع شركة بترول الكويت - إنجليزية - أمريكية - ومنذ أن دلت عمليات الحفر الأولية على وجود البترول في أراضي إمارة الكويت بكميات تجارية خلال 1936 - 1938م ازدادت أهميتها.
وبالنسبة لنظام الحكم فقد شهدت الكويت في يونيو 1938م انتخابات لأول مجلس تشريعي استمر من يوليو إلى ديسمبر 1938م ، وفي يونيو 1946م تم تصدير أول شحنة من البترول الكويتي وبدأت الكويت تشهد في أواخر الأربعينيات (1949م) حركة عمران بإنشاء بعض المرافق العامة وافتتاح مستشفى جديد ، وتم شق بعض الطرق الجديدة.
ومع النمو الاقتصادي والسكاني والتطور الثقافي سارت الكويت بخطوات حثيثة نحو التقدم والاستقلال منذ مطلع الخمسينيات ، وازدهرت الحركة الثقافية والفكرية والسياسية فيها وازدادت أعداد المتعلمين وتعددت المدارس وتنوعت البعثات التعليمية إلى جامعات العالم .
وظهر العديد من المجلات مثل مجلة البعثة التي كانت تصدر ابتداء من عام 1946م من بيت الكويت في القاهرة ، والتي أصدرها وأشرف عليها المرحوم الأستاذ عبد العزيز حسين حين كان مشرفا على الطلبة هناك. وصدرت مجلة كاظمة في سنة 1948م ومجلة الرائد عن نادي المعلمين في سنة 1952م ومجلة الإيمان في 1953م عن النادي الثقافي القومي ، ومجلة اليقظة عن المدرسة المباركية ، ومجلة الإرشاد في عام 1953م عن جمعية الإرشاد الإسلامي ومجلة الفجر عام 1955م عن نادي الخريجين ، وكلها كانت تنشر مقالات تتناول الوضع العام وضرورة الإصلاح ، كما برزت ونشطت بعض الأندية المهنية والثقافية والسياسية ، وازداد الوعي الوطني السياسي والقومي ، وظهرت بعض التيارات والاتجاهات السياسية سواء بسبب عودة الشباب الكويتي من الجامعات في الخارج أو بسبب ما حمله العديد من الوافدين العرب الذين قدموا للعمل في الكويت.
وأصبح من الضروري على المجتمع الكويتي أن يواجه في تلك الفترة الكثير من التحديات الداخلية والخارجية بعد أن بدأت إمارة الكويت بالتحول من بلد فقير إلى بلد غني ، يتمتع بإمكانيات مادية كبيرة ، فقد حقق إنتاج النفط تحولا كبيرا في الكويت على مختلف الأصعدة والمجالات مما زاد من اهتمام بريطانيا بالإمارة التي زادت أهميتها الدولية.
ولقد تطلعت بريطانيا إلى الحصول على مساعدة الكويت في الخطط الطويلة المدى لرفع مستويات المعيشة في بلدان الشرق الأوسط الواقعة تحت الحماية أو النفوذ البريطاني ، وكانت تريد من خلال علاقتها بالكويت تحقيق عدة أهداف كما أشرنا من قبل ، فالكويت كانت تشكل مصدرا هائلا للبترول وعاملا في ميزان المدفوعات البريطاني ، ومن تلك الأهداف :
1) ضمان إدخال القدر المطلوب من الإشراف المالي البريطاني لتجنب الإضرار بمصالح منطقة الإسترليني.
2) ضمان وصول ثروة الكويت إلى كافة الكويتيين للحيلولة دون ظهور الأفكار الشيوعية وبالتالي النفوذ السوفييتي.
3) الاحتفاظ بأكبر قدر من النفوذ البريطاني في الكويت.
ومنذ مطلع الخمسينيات شهدت إمارة الكويت بعض التطور والتجديد في الإدارة المحلية ، فقد تم تشكيل اللجنة التنفيذية العليا في عام 1954م ، ثم المجلس الأعلى والهيئة التنظيمية عام 1956م إلى جانب بعض المجالس المحلية التابعة للإدارات الحكومية مثل مجلس المعارف ، ومجلس الأوقاف ، والمجلس البلدي ، ومجلس الصحة.


LinkBack URL
About LinkBacks




رد مع اقتباس
المفضلات